التعريف بالمؤسسة
نشاط سالم يكن
بيانات ومواقف
الإخوان المسلمون
الحركات الإسلامية
الجماعة الإسلامية
فقهيات معاصرة
مراصد الموقع
أبواب دعوية
إستشارات دعوية
حوارات ومحاضرات
بأقلام الدعاة
مواقع صديقة
ملفات خاصة
اتصل بنا


  الملف الإسلامي | داوِ روحك بالقرآن  -  29/7/2010 بقلم زياد علوش
التوتر الدائم أنهك الروح والأبدان ! فداويهما بسماع القرآن ، فأنت منه إزاء شيءٍ فوق اللغة وآدابها وقواعدها فإن ظلال التعبير في القرآن وإيحاءات المفردات في آياته وألوان التصاوير في قصصه ولوحاته ، لترتبط أوثق الارتباطات بالوقائع الحيّة والأحداث النواطق والمشاهد الشواخص كأن أبطالها ما انفكوا على مسرح الحياة يغدون ويروحون فأنى للشروح اللغويّة الجامدة والاصطلاحات البلاغيّة الجافة أن تستطلع في الوقائع يقين أخبارها أو تستيقن من الأحداث خفي أسرارها وهي أعيا أن ترجع في الأذان أصداءها الحلوة العذبة! ونحن من القرآن أمام شيءٍ فوق التاريخ نفسه وكأيٍّ في التاريخ من فجوات ينبغي أن تملأ وثغرات لابد ان تسد فليس لنا أن نستوحي الواقع لا صورته والإنسان لا شبيهه والحق لا صداه ، القرآن يفسر بعضه بعضاً يردد المفسرون هذه العبارة كلما وجدوا أنفسهم أمام آية قرآنية تزداد دلالتها وضوحاً بمقارنتها بآية أخرى ، لأن دلالة القرآن تمتاز بالدقة والإحاطة والشمول فقلما نجد فيه عاماً أو مطلقاً أو مجملاً ينبغي أن يخصص أو يقيد أو يفصل الا تم له في موضع آخر ما ينبغي له من تخصيص أو تقييد أو تفصيل وتحدى القرآن فصحاء العرب بمعارضته وطاولهم في المعارضة ولكنهم انهزموا وأعلنوا عجزهم عن تقليده لأنه يعلو ولا يُعلى عليه وما هو بقول بشر . أنظر إلى قوله تعالى حين وصف خمر أهل الجنّة:(لا يُصدّعون عنها ولا يُنزِفون) كلمتان جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا ، وحين ذكر فاكهة أهل الجنّة: (لا مقطوعة ولا ممنوعة) جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني . فالقرآن الكريم نمطاً واحداً في القوة والإبداع وأن مرد ذلك إلى روح التركيب التي تنعطف عليها جوانب الكلام الإلهي وهذه الروح لم تعرف قط في كلام العرب غير القرآن ، وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس ولولاها لم يكن بحيث هو كأنما وُضِع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين إذ نراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة وتأليفها ثم إلى تأليف هذا النظم فمن هنا بعضه على بعض وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب كما عُرفت ، هكذا يقول مصطفى صادق الرافعي(تاريخ آداب العرب:2/225) أما سيد قطب كان نظره مركزاً في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب الله ولقد وجدها في التصوير الأداة المفضلة في أسلوب القرآن فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة وإذ الحالة النفسية لوحة أو مشهد وإذا النموذج الإنساني شاخص حيّ وإذا الطبيعة مجسمة مرئية والحوادث والمشاهد والقصص والمناظر شاخصة حاضرة تدب فيها الحياة والحركة فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخيل فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة وينقلهم إلى مسرح الأحداث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع ، تتوالى المناظر وتتجدد الحركات وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى ومثل يضرب ويتخيل أنه منظر يعرض وحادث يقع ، فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات المنبعثة من الموقف المتساوقة مع الأحداث وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنم على الأحاسيس المضمرة إنها الحياة هنا وليست حكاية الحياة ، فالعرب المعاصرين للقرآن قد سحروا قبل كل شيء بأسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا حتى إذا فهموه أدركوا جماله ومس قلوبهم بتأثيره وها هو ذا السيوطي يصهر في إتقانه جميع المباحث القرآنية البلاغية التي التقطها من عدد لا يستهان به من المصنفات السابقة ، فيدرس تشبيه القرآن واستعارته وكنايته وتعريضه وحقيقته ومجازه وحصره واختصاصه وإيجازه وإطنابه وخبره وإنشاءه وجدله وأمثاله وأقسامه ، والسحر الكامل في شديد النسق القرآني في كل مقطع منه ومشهد . هنا دعونا نتأمل الحوار بين السيوطي والدكتور صبحي الصالح رحمهما الله في قوله تعالى: (والصبح إذا تنفّس) : فالسيوطي جعل ذلك من باب """استعارة محسوس لمحسوس يوجه محسوس""" وأوضح ذلك بقوله: "استعير خروج النفس شيئاً فشيئاً كخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلاً قليلاً بجامع التتابع على طريق التدريج وكل ذلك محسوس" ؛ إلاّ أنّ الصالح رحمه الله يقول: "إنّ ظاهرة التشخيص وسمتها في القرآن واضحة كل الوضوح ، فالحياة تخلع في هذه الآية على الصبح حتى لقد صار كائناً حيّاً يتنفس بل إنساناً ذا عواطف وخلجات نفسيّة تشرق الحياة بإشراقه من ثغرة المنفرج عن ابتسامة وديعة وهو التنفس بهدوء وإذا تلونا قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) : فجمال النص يكاد ينطق بالإفصاح عن نفسه حين نتخيل في الآية الحق-وهو معنىً مجرّد- أشبه بالجسم القوي العنيف الذي ينفذ في جسم الباطل الضعيف الخفيف فيرزح الباطل تحت وطأة الحق الشديدة التي تدمَغُهُ وتكاد تلصقه بالتراب وتزهق روحه وهكذا يجتمع في هذا المثل التجسيم والتشخيص والتخييل ، أما في التجسيم: ففي تصوير الحق يالقذيفة الثقيلة ، وأما في التشخيص: ففي دمغ الحق الباطل وإزهاقه إياه ، وأما التخييل: ففي تصور نوع الثقل الذي تحدثه حركة القذف ثم الدمغ ثم الإزهاق ، فإنها أصوات شداد توشك أن تكون صدى لعظام الباطل وهي تتحطّم وتقعقع . وقد بلغ بالقرآن  في دعائه المأثور كالحريص على شيءٍ من التقطيع المقصود ، من سجع لطيف أو طباق رشيق أو رنّة شافية ، أمّا القرآن نفسه فلم ينطق عن لسان النبيين والصدّيقين والصالحين إلا بأحلى الدعاء نغماً وأروعه سحر بيان! وإذا تذكرنا أن ابتهال الصالحين كثير في القرآن رغباً أو رَهَباً ، طمَعاً أو خوفاً : كلمة(زُحْزِح) تصور مشهد الابعاد والتنحية بكل ما يقع في المشهد من أصوات وما يصاحبه من ذعر الذي يمر بحسيس النار ويسمعه ويكاد يصلاه! من ذا الذي يقرأ سورة كاملة من سور القرآن - طويلة أو قصيرة مكّيّة أو مدَنيّة- ثم لا يوقظ نسقها الرائع قلبه ويهز إيقاعها العجيب مشاعره؟ إنّ المرء ليحار إذا قرأ مثلاً سورة :"الرحمن" فيتساءل: هل انبعث إيقاعها الرخي المنساب من مطلعها أم من ختامها أم من خلال آياتها؟ وإذا هو يقطع بأنّ النغم يسري فيها كلها: في فواصلها ومقاطعها وفي ألفاظها وحروفها ، وفي انسياقها وانسيابها ، حتى لو انتقى على حدة مقطع واحد من مقاطعها أو موضوع واحد من مواضعها الجزئيّة ، والتمس في أجزائه النغم والإيقاع لكان في كل جزء منه نغمه وفي كل حرف من لحن من ألحان السماء! لكن هلا نختم بالدعاء الذي هو بطبيعته ضرب من النشيد إلى الله تعالى ولا يحلو وقعه في نفسه الضارع المبتهل إلا أن تكون ألفاظه منتقاة ، فلا غرو إذ يدا النبي الكريم فمن زحزح عن النار وأُدخِلَ الجنّة فقد فازحرصه على الرمز والإيماء أن يكني عن الحقائق الدينيّة الكبرى المتعلقة بذات الله وصفاته ، بأسلوب تزيده المبالغة حسناً لأنه يقرب الفكرة المجردة من الصورة الحسيّة فتستحيل المبالغة فيه بلاغة ، ويصير التهويل فيه تخيلاً ، فالله تعالى يقول في سَعَة جوده: (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) : وفي هذا الجو الرمزي يتحلّ جمال الكناية عن الشؤون الغيبيّة """بالمفاتيح""" : (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) وجمال الكناية في أزليّة الأرزاق والمقدرات بالخزائن: (وإن من شيءٍ إلاّ عندنا خزائنه وما ننزِّله إلاّ بقَدَرٍ معلوم) : فالقرآن الكريم في كل سورة منه وآية ، وفي كل مقطع منه وفقرة ، وفي كل مشهد منه وقصّة ، وفي كل مطلع منه وختام : يمتاز بأسلوب إيقاعيّ غنيّ بالموسيقى مملوء نغَمَاً ، حتى ليكون من الخطأ الشديد المفاضلة بين سورة وأخرى أو توازن بين مقطع وآخر ، لكنّنا حين نومئ إلى تفرد سورة منه بنسق خاص إنما نقرر ظاهرة أسلوبية بارزة ، مؤكدين أن القرآن نسيج واحد في بلاغته وسحر بيانه إلاّ أنه متنوع تنوع موسيقى الوجود في أنغامه وألحانه! وهذا هو سيد قطب يقول (في التصوير الفني): سحر القرآن إلى نسقه الذي يجمع بين مزايا النثر والشعر جميعاً: فقد عفى التعبير من قيود القافية الموحدة ، والتفعيلات التامّة ، فنال بذلك حريّة التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة وأخذ في الوقت ذاته من الشعر الموسيقى الداخلية ، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل ، والتقفيّة التي عن القوافي وضم ذلك الخصائص التي ذكرنا فنشأ النثر والنظم جميعاً . إنّ هذه الموسيقى الداخلية لتنبعث في القرآن حتى اللفظة المفردة في كل آية من آياته فتكاد تستقل بجرسها ونغمها -بتصوير لوحة كاملة فيها اللون زاهياً أو شاحباً وفيها الظل شفيفاً أو كثيفاً ، أرأيت لوناً أزهى من نضرة الوجوه السعيدة الناظرة إلى الله تعالى ، ولوناً أشد تجهماً من سواد الوجوه الشقية الكالحة الباسرة في قوله تعالى: (وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذٍ باسرة تظنّ أن يُفعَلَ بها فاقرة) : لقد استقلّت في لوحة السعداء(ناضرة) وفي لوحة الأشقياء(باسرة) ، وقوله تعالى:  ، استعجالاً لخير أو دفعاً لشر . ومن سحر القرآن أن النغم الصاعد فيه خلال الدعاء يثير في كل لفظه صورة وينشئ في كل لحن مرتعاً للخيال فلنتصور مثلاً ونحن نرتل دعاء زكريا عليه السلام-شيخاً جليلاً مهيباً - على كل لفظة ينطق بها مسحة من رهبة وشعاع من نور ، نتمثل هذا الشيخ الجليل على وقاره متأجج العاطفة متهدج الصوت طويل النفس ما نبرح أصداء كلماته تتجاوب في أعماق قلوبنا شديدة التأثير ، يحرك القلوب المتحجرة بتعبيره الصادق عن حزنه وأساه خوفاً من انقطاع عقيمه وهو قائم في المحراب لا يني ينادي اسم (ربه) نداءً خفيّاً ويكرر اسم (ربه) بكرة وعشياً ويقول في لوعة الإنسان المحروم وفي إيمان الصديق الصفي: )رب إني وهَنَ العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقيّاً وإني خفت المَوالِيَ من ورائي وكانت امرأتي عاقرأ فهَبْ لي من لدنك وليّا يرثُني ويرث من آلِ يعقوب واجعلْه رب رضيّاً( :لقد استشعرنا هذا الجو الغنائي كله ونحن نتصور نبياً يبتهل وحده في خلوة مع الله ، وكدنا نصغي إلى ألحانه الخفية تصاعد في السماء ، فكيف بنا لو تصوّرنا جماعة من الصديقين الصالحين وصفهم الله بأنهم من أولي الألباب: ) ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض (كيف لو تصوّرنا هؤلاء مشتركون ، بأصوات رخية متناسقة تصعد معاً وتهبط معاً وهي تجأر إلى الله وتنشد هذا النشيد الفخم الجليل: ) ربنا ما خلَقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تُدخلِ النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنّا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتّنا على رسُلِك ولا تخزِنا يوم القيامة إنك لا تُخلِفُ الميعاد (: يا لها من أوركسترا ! أفيعد هذا يستمع شبابنا لغير القرآن!!!؟
أما الحناجر الكظيمة المكبوتة التي يتركها القرآن في بعض مشاهده تطلق أصواتها الجييسة ، بكل كربها وضيقها وبحتها وحشرجتها - فهي حناجر الكافرين النادمين يوم الحساب العسير ولنا الآن أن نتمثل شرذمة من المجرمين تلفح وجوههم النار فيتحسّرون ويحاولون التنفس عن كربهم ببعض الأصوات المتقطعة المنهدجة كأنهم يتخففون من أثقال تنقض ظهورهم ويفرغون عن طريقها ما يعانون من عذاب أليم: يدعون ربهم دعاء التائبين النادمين يقولون: ) ربنا إنا أطَعْنا سادتنا وكُبَرَاءنا فأضلّونا السبيلاْ ربنا آتِهِم ضِعفَيْنِ من العذاب والْعَنْهم لعناً كبيراً(:
فذلك هو القرآن: إن نطق لم ينطِقْ إلا بالحق ، وإن علّم لم يعلِّم إلاّ الهُدى والرشاد ، وإن صوّر لم يصوِّر إلاّ أجمل لوحات الحياة ، وإن رُتِّلَ ترتيلاً لم يُسْمَعَ بعده لحن في الوجود!
ذلك كتاب الله المجيد :( لا يأتيه الباطلُ مِنْ بين يدَيْه ولا مِنْ خَلْفِهِ تنزيل مِنْ حكيمٍ حميدٍ ).

  عرض كل الأخبار