مستقبل الحركات الإسلامية بعد 11 سبتمبر 15/11/2001 أعدها للنشر/ شيرين فهمي إسلام أون لاين.نت
الحركات الإسلامية ..بين "القوة" و"العدالة" تأثير أحداث 11 سبتمبر على الحركة الإسلامية أصبح محل اهتمام كثير من المحلِّلين الذين يعكفون حاليًا على محاولة الاقتراب من ملف "الحركات الإسلامية والخطاب الإسلامي"، في ضوء ما حدث وما يحدث وما سيحدث. ويتم التطرق إلى عدة محاور، منها: إدراك العالم، إدراك الإسلام، ودعوة لقراءة مختلفة للذات والدين والعالم.
وفي سياق اهتمام "إسلام أون لاين.نت" بهذه المحاور، عقدت الشبكة ندوة في 15 أكتوبر 2001 حول هذا الموضوع؛ شارك فيها كل من:
د. محمد السيد سعيد: خبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.
1. ضياء رشوان: خبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.
2.عصام العريان: الأمين العام المساعد السابق لنقابة الأطباء، ونائب سابق بمجلس الشعب، ومن قيادات الإخوان المسلمين.
3. رفيق حبيب: أستاذ علم نفس؛ وكاتب ومفكر.
أدار النقاش د. أحمد عبد الله من شبكة "إسلام أون لاين.نت"
وفيما يلي ملخص أفكار المساهمين في هذه الندوة:
§ تورط المسلمين في الصراعات § أزمة المسلمين § خطاب الجهاد الإسلامي § الجهاد المطلق § موقف الإخوان § التعامل مع الآخر § ما هو المطلوب من الإسلاميين؟ § التضامن الميكانيكي § صراع الحضارات § لحظة عدم توازن § الثقافة الأمريكية § اليمين المسيحي والهيمنة الأمريكية § الخطاب الديني § الحرب الدينية § النضال البنائي وصعوبته § سلبية المسلمين الأمريكان § فتوى القرضاوي § نظام دولي جديد § إعادة تعريف الذات § مقترحات أخيرة § حرب مفتوحة
تورط المسلمين في الصراعات
ملخص ما قيل في الندوة أن المسلمين اشتركوا في نحو 54 صراعًا في العالم منذ الاستقلال. فقد اشتركوا في عدد هائل من الصراعات مع مختلف الجماعات التي لها ميول عقائدية أخرى. وإذا فحصنا بدقَّة تلك الصراعات، فسنكتشف أنها لم يكن لها أي أساس بالدين الإسلامي. وهذا يعني أن المجتمعات المسلمة – خلال المرحلة الفاصلة من الاستقلال إلى اللحظة الحالية – تصرفت على نحو بالتأكيد لم يكن دينيًّا؛ أي لم يكن منطلقًا من نص قرآني. وبهذا الشكل، يكون هناك طلائع نشطة تحاول قيادة مجتمعات باسم الإسلام؛ فتتورط في اشتباكات دموية مروعة وصدامية مع مجتمعات أخرى في العالم. ومن ثم، فنحن – كمسلمين – غير مضطرين إلى تحمل مسؤولية ما حدث في "كانو" مثلاً. أزمة المسلمين
الملخص: إن العالم الإسلامي والعربي في طريقه إلى الانسحاق سريعًا جدًّا أكثر بكثير من بعض التصورات؛ حيث سيتم ضربه في الصميم؛ وبالتالي فلن يستطيع المسلمون والعرب كسب معركة الحضارات والأديان. مشكلتنا تتمثل في إخفاقنا في الخطاب الإسلامي الذي لم يقدم شيئًا مقارنة بإنجازات الحضارة الغربية، فالقضية هنا ليست قضية حركات إسلامية، إنما القضية هي مآزق المسلمين في العالم، الذين لم يقدموا شيئًا في الحضارة العالمية. إنها أزمة مجتمعات إسلامية مصنوعة ومهزومة في نفس الوقت؛ لعدم تمكنها الحضاري والاجتماعي والاقتصادي، وعجزها عن تنشيط دور الدفع من داخلها.
المسلمون ليسوا فقط أمام أزمة، ولكنهم أمام حافة هاوية كبرى، أمام ما يمكن تسميته برؤية قيمية من دافع إسلامي. فملامح الكارثة ماثلة أمامهم؛ وبالذات فيما يتعلق بصراع الحضارات والأديان. وقد ظهر عجزهم في الصراع العربي الإسرائيلي؛ وهو نوع واحد من الصراعات.. فكيف ببقية الأنواع؟
علينا لحل هذه الأزمة، أن نراجع أنفسنا – كمجتمع مسلم – ونحن شاعرون بالذنب؛ أن نراجع أنفسنا وأفكارنا وثقافتنا؛ أن نتمسك بدورنا في الحضارة العالمية والنظام العالمي. ومن ثَم، فنحن في حاجة إلى الاجتهادات الفلسفية والعلمية والفقهية. ولا يتأتى ذلك إلا من خلال مؤتمر ضخم يجمع العناصر الأساسية للمجتمعات الإسلامية على المستوى المدني، وعلى مستوى فقهاء وعلماء الإسلام. وبهذا المعنى يكون مشروعنا التاريخي هو إعادة تكوين القلب العربي الاجتهادي المتفلسف الشاعري من الإسلام.
وكذلك مطلوب منا مبادرة سياسية كبيرة تعيد إصلاح ووضع الأشياء في نصابها: النضال السلمي، التعددية، رسالة الإسلام الجوهرية التي هي العدل والتسامح والحريات. فالموضوع معقد وشائك جدًّا. وفي دراسة الوضع الحالي، ربما يكون الأقل أهمية هو دراسة الحقائق، بينما الأهم هو دراسة إدراك هذه الحقائق، وربما يكون هذا هو لُب الأزمة التي نعيشها هذه الأيام.
هناك تعمد لضرب الإسلام والعرب؛ فانظروا إلى أحاديث بوش عن الحروب الصليبية، وإلى أكبر القوائم المعلنة والتي تتألف معظمها من عرب ومسلمين، وإلى الانطباع السائد أن كل من يرتدي جلبابًا وعمامة فهو إرهابي.
إن حدود الإدراك في القرن الحادي والعشرين – وهو قرن الاتصالات ووسائل الإعلام – تتسم بالخطر، حيث إن كلاًّ منا يرى أن لديه الطريقة التي بها يستطيع قيادة العالم. وبالتالي، حتى الحكومات لا تستطيع أن توقف ما يحدث مهما تأخذه من قرارات.
أخيرًا، إن وجود 120 مليون مسلم داخل الغرب يمهِّد أكثر لفكرة الصراع الديني. بمعنى أنه في لحظة من اللحظات، قد تتحول تلك الجاليات المسلمة إلى ما يشبه القنابل المتفجرة في قلب المجتمعات الغربية. خطاب الجهاد الإسلامي
شهد خطاب الجهاد الإسلامي تحولات أساسية في نهاية السبعينيات؛ فتحولت الحركات الإسلامية إلى حركات دينية واجتماعية وسياسية. وكان هذا واضحًا في مصر والجزائر على وجه التحديد، وفي مناطق كثيرة. والمشكلة أن علينا الاعتراف بهذا النوع من الجهاد الذي نشأ منذ 1979م؛ وأنه النوع الوحيد السليم من الجهاد. فقد تحدث بن لادن عن القضية العراقية، والقضية الفلسطينية، وقضية الوجود الأمريكي في الجزيرة العربية؛ وكل هذه القضايا تستحق الجهاد الدفاعي. والمشكلة – مرة أخرى – أننا متفقون معه في القضايا الثلاث.
إن إشكالية مصطلح "الجهاد" إنما هي إشكالية الواقع الذي يصوغ بالفعل تحرك جماهيري أو شعبي أو سياسي تجاه القضايا الثلاث. والمشكلة أن هؤلاء الجهاديين يتقدمون مسافات طويلة – قد نرفضها – ولكنهم بالمعنى الذي نشعر به قد استطاعوا أن يفعلوا شيئًا ما تجاه القضية. ومشكلتنا الآن هي: ماذا نستطيع أن نفعل بدون أن نترك لهم هذا المعين الوحيد الذي قد يجر العالم إلى حروب، والتي بالفعل ممكن أن نخسرها، أو على الأقل لا يمكن أن نخرج منها؟ هناك أشياء وقضايا كثيرة، لكن تحتاج إلى جهد رهيب؛ وربما يكون هذا هو جوهر الجهد الداخلي قبل حتى الخارجي.
نحن نحتاج إلى مشروع سياسي – لا تقوم به حركة ولا تنظيم ولا مفكرون – ولكن مشروع يشترك فيه الجميع؛ لأن الجميع هم الذين يتحملون المسئولية أمام العالم.. نحن كمسلمين محتاجون أن نقدم للعالم من نحن، وماذا نريد، وما هي حدود علاقتنا بهذا العالم، وكيف نساهم في صنع حضارته الإنسانية كما ساهمنا فيها من قبل.
وعن إمكانية تواجد خطاب إسلامي موحَّد على مستوى الحركات، أو حتى على مستوى الدول الإسلامية، يتضح لنا للأسف أن تقسيم الخطاب الإسلامي متناقض ما بين الخطاب السلمي المعتدل والخطاب الجهادي العدائي. والسؤال هنا: أي الخطابين نتبنى؟ وماذا سيكون رد فعل كل منهما؟ وما هي الوسائل والأطروحات التي يمكن أن نصل بها إلى خطاب إسلامي موحد، يستطيع أن يُعبِّر عن التصور الإسلامي لعلاقة المسلم بغيره، وعلاقة العالم الإسلامي بالعالم الغربي؟
كل يقدم وجهة نظره على أنها هي رؤية الإسلام الصحيحة، وأن الباقي هو الخطأ. والسؤال هنا: هل يكون مفيدًا أن نقدم أنفسنا بطرق مختلفة بناء على قراءات مختلفة؟ ولماذا يصير من المنتظر أن يبقى هناك موقف واحد وخطاب واحد بناء على قراءة واحدة؟ أليس من المفيد أن يكون هناك أكثر من تحليل لتغطية أكبر عدد من المصالح؟
إن خطورة المسألة تكمن في "إسلام صحيح وإسلام خطأ"، ذلك المفهوم الذي أدخل المسلمين في صراعات دموية، خاصة في أوروبا وأمريكا. ولكن بالرغم من ذلك، اعترض البعض على هذا المبدأ، قائلين إنه من الصعب ألا نقول "هذا صحيح أو غير صحيح" في الخطاب الديني. يعني طالما يجتهد المرء في طرح رؤية مرتبطة بأصل نص ديني، فهو ملزم بأن يقول: "أنا اجتهدت في هذا الطرح، وأرى أنه هو الصحيح". وقد أدى ذلك إلى شروخ ضخمة في المسيحية، بحيث أصبحت الكنائس المسيحية كنائس منفصلة تمامًا. أما في الإسلام، فكان الأمر أخف حدة؛ فظهرت مدارس في الرؤية (مذاهب)، ولكنها لم تكفر بعضها البعض. الجهاد المطلق
إن الجهاد الذي يحل ضرب أي شيء بأي شيء ليس موجودًا في فقه الإسلام؛ ولن تجد له سندًا في أي كتاب فقه مهما أيدوه بأساليب وآيات وشعارات؛ ولذا فنحن نحتاج إلى إبراز الرأي الإسلامي الصحيح في هذه الأحداث.
هل يصح أن نختزل الجهاد - بمعناه المتسع - في المسألة القتالية؟ وهل نصرة أخي المسلم تعني أن أذهب وأقاتل مع الشعب الأفغاني هناك، أم أن النصرة تكتسب معاني أخرى متسعة في ظل النضال المدني؟ فنحن في حاجة إلى الخروج بأجندة فكرية وأجندة عملية؛ فنُبَلْورها وندفع بها. فمن المتصور أن يكون هذا هو المخرج؛ لأن أزمتنا الحالية تمثل لحظة كاشفة لمجمل الأوضاع الهيكلية على مستوى الحركات.
إن الجهاد في حالة العدوان هو جهاد اليد؛ وما يعلنه أسامة بن لادن في هذه الظروف هو جهاد اليد، وهو المعنى الشرعي الوحيد للجهاد. إذا كنا نريد طريقة الإخوان – المعروفة لدينا في التهدئة – فهذا لا ينصرف إلى المفاهيم الشرعية.. وهذا هو مأزقنا؛ فهذا الرجل أطلق المفهوم الصحيح ربما بالطريقة غير الصحيحة، ولكنه أطلق على واقع يفرض علينا طرقاً معينة لتطبيق المفاهيم. والسؤال هنا: هل نطبق المفهوم بالمعنى النظري ونغيِّر في الأدوات، ونختلف بهذا عن بن لادن، أم نغيِّر المفهوم الأصلي؟
هذا السؤال سيظل مطروحًا علينا لسنوات قادمة، فالصراع ضد الإرهاب هو صراع غير محدد الميدان، غير محدد العدو.. هو صراع مفتوح. وبالتالي، نتوقع أن نرى مظاهر "ذلك الجهاد" في بعض الأماكن من العالم، وربما بلادنا. وستُدعم طبعًا بمفهوم الجهاد الذي لا نستطيع أن نختلف معه مفهوميًّا، لكن قد نختلف معه إجرائيًّا وعدائيًّا. وسنواجه هذا الموقف يوميًّا.. فماذا سنفعل لو أتى إسلامي استشهادي غدًا، وفجَّر السفارة الإسرائيلية في القاهرة؟
أمام ضرب العراق وفلسطين وأفغانستان، لا نملك أن ننكر الجهاد الأصلي في دفع العدوان. ولا نملك أن نقول بأن ليس هذا هو الجهاد. قد نقول: ليست هذه هي الطريقة، لكن لا يمكننا إلغاء أصل شرعي. وبن لادن دعا فقط إلى أحد الأصول، مطبقًا الواقع الذي يلمسه الناس. وهو لم يدع إلى رؤيته للإسلام، الأمر الذي جعل كثيرًا من الناس يؤيدونه.
كيف نستطيع أن نعرِّف أطفالنا في البيوت – الذين يرون اليوم في بن لادن والظواهري أبطالاً – كيف نستطيع أن نفهمهم بلغة بسيطة أن هؤلاء ليسوا أبطالاً، بدون أن نخسر القضايا التي يدافع عنها هؤلاء؛ خاصة أننا نتحرك في ظل مجتمع مفتوح يتحرك عبر وسائل الإعلام، عبر الصور والصور المنقولة؟ موقف الإخوان
عندما وقع العدوان، صدر بيان إدانة واضحة من جانب الإخوان للعدوان؛ وهم لم يطالبوا بإعلان الجهاد ضد أمريكا، ولكن طالبوا أمريكا بوقف العدوان، والتوقف عن عمليات القتال والعودة مرة أخرى إلى العقل، وتقديم أدلة لضبط الفاعلين وتقديمهم لمحاكمة علنية. ومن المعتقد، أن هذا الموقف متفق مع موقف السلطات الرسمية والشعبية.
وعلى المستوى النظري، أصدر الشيخ فيصل - أحد قيادات الإخوان، أمين عام الجماعة الإسلامية بلبنان - رؤيته باسم الإخوان؛ وهي رؤية إسلامية للأحداث. ولكن للأسف، لم ترضَ الصحافة الأمريكية الرسمية ولا حتى العدائية بنشرها؛ لأنها رؤية مختلفة تمامًا عن الرؤية التي يتبناها بن لادن؛ إذ توضح وتبرر من وجهة نظر إسلامية لماذا هذا العمل مدان إدانة واضحة، ولأن ذلك يعتبر مستندًا جيدًا للرأي الإسلامي، فقد تم رفضه من قبل الصحف الأمريكية.
وملخص القول، إن الإخوان أصبح لهم تجارب في هذا الموضوع - ليس فقط تجارب قديمة مثل مقتل الخازندار أو النقراشي - ولكن أيضًا في قضايا العنف الكبير. وكما هو معلوم، أن إدانات الإخوان في مصر مرت بمرحلتين: مرحلة العنف والعنف المضاد، ثم مرحلة إدانة فقط.
ويرى الإخوان أن طريقة التبني - التي يطرحها تنظيم القاعدة – لن تحل المشاكل في فلسطين والعراق. فنجد بوش اليوم يطرح دولة فلسطينية - في ظل هذه الظروف – لا تحقق أدنى المطالب التي كان بإمكان الحركات الوطنية والحركات الإسلامية في فلسطين أن تحصل عليها في ظروف أخرى. وكذلك العراق قد يلحقه الضرر من خلال الموقف الذي تتبناه القاعدة... فهناك إلحاح شديد عند نائب وزير الدفاع الأمريكي لضرب العراق. التعامل مع الآخر
على الحركات الإسلامية والحركات الشعبية الإسلامية – من مفكرين ونخب وغيرهم – أن تتقاسم الأدوار في تناسق وتناغم. فنحن نعلم أننا في النهاية متواجدون في خندق واحد؛ وأننا لا نريد أن ننجَرّ إلى حرب دينية، ولا إلى صدام حضارات. كما لا نريد أن نقول بأننا ضد العالم. فنحن أصلاً لسنا ضد العالم؛ لأن حكمة الله اقتضت ألا يؤمن الناس كلهم، فلماذا نريد نحن أن نغصبهم على الإيمان؟ "أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين" "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين". إذن لا بد من تدعيم قاعدة التعامل بالحسنى، والحوار، والحكمة، والدعوة. ما هو المطلوب من الإسلاميين؟!
لا بد من فعل تاريخي وكبير ومؤثر يمنع احتمالات الانزلاق إلى صراع الحضارات والأديان، ويعيد تصحيح علاقة المسلمين بالعالم. والفعل التاريخي لا يعني حدثًا بعينه، ولا يعني مثلاً مؤتمرًا أو قرارًا سياسيًّا أو بيانًا؛ إنما عملية تصويب ضخمة لمسار حركة تاريخية، وبالذات لمسار الحركة الإسلامية. خيبة أمل الأمريكان
نجح الأمريكان في عمل ائتلاف عريض جدًّا، بضم عشرات من الدول التي لها مصلحة فيما يتعلق بقضايا الإسلام أو المسلمين في مقابل الآخر: يعني الشيشان في مقابل روسيا، والهنود في مقابل كشمير أو باكستان، وهكذا...، وقد ضموا لتحالفهم القوة الأساسية في المجتمع الإسلامي التي تتمثل في الحكومات أو النخبة. لو أخذنا باكستان – وهي الحالة شديدة الحدة – سنجد أنه قد طرح لها اختيار: إما أن تخسر نفسها أو تخسر طالبان؛ فطالبان – كما نعلم – مشروع "باكستاني - سعودي - أمريكي". فاضطرت باكستان أن تختار نفسها وألا تخسر التحالف مع أمريكا كلية. وهذا ليس غريبًا على دولة مثل باكستان؛ فهي دولة دينية – مثل إسرائيل – وضعت نفسها منذ البداية في كنف الإنجليز، ثم في كنف الأمريكان.
والمؤسسة الأمريكية صُدمت صدمة شديدة بعد أحداث 11 سبتمبر؛ فهي إلى وقت قريب كانت تؤمن بوجود تحالف أمريكي – إسلامي منذ الحرب العالمية الثانية، ومنذ لحظة لقاء "روزفلت" والملك "عبد العزيز". وكان الأمريكان يعتقدون أن المسلمين سيقدرون وقفتهم مع البوسنة والهرسك، ومع كوسوفا والشيشان. ولكن في نهاية المطاف، اعترف الأمريكان بأن التحالف الإسلامي - الأمريكي قد نُسف.
وكما صُدم الأمريكان، فقد صُدم البريطانيون من قبل. فكما "لعب" الأمريكان مع مجاهدي أفغانستان، حتى انقلبوا عليهم، كان الإنجليز أيضًا "يلعبون" مع الإخوان، وظلُّوا ضامنين لهم فترة طويلة.. حتى انقلب السحر على الساحر. ولم يفهم البريطانيون أن علاقة الإسلاميين بهم ليست نتيجة حب الإسلاميين لهم، إنما لاعتبارات أخرى: يعني التحالف مع الشيطان.
وبالرغم من خيبة الأمل التي مُني بها الأمريكان، فإنهم سيظلون متمسكين بالتحالف – وبالذات – مع المؤسسات، مثل الدولة السعودية، والدولة الباكستانية، وهكذا...
وأخيرًا، ليس الخطير أن الإسلاميين هم الذين فعلوا أحداث سبتمبر، إنما الخطير فيها أن القطاع الذي كان الأمريكان يظنون تقليديًّا أنه لن يفعلها – يعني شباب الطبقة الوسطى المهذَّبة – هو المتهم. ومن ثَم، ستستمر فكرة وجود "باد جايز، جود جايز" في داخل المسلمين. وعلى أثر ذلك، ظهر في الأدبيات الأمريكية ما يسمى "سليبرز": أي المسلمون الذين يتصرفون بمستوى عالٍ جدًّا من الانضباط والرقي والمحبة؛ الأمر الذي سيفرض عليهم نظامًا حديديًّا للرقابة عليهم. تفريغ المسلمين من أمريكا
سيتم تفريغ المجتمع المسلم في أمريكا في فترة لا تزيد عن عشر سنوات. فلن يدخل مسلم واحد جديد في أمريكا إلا في ظروف صعبة جدًّا. وهذه خسارة كبيرة للمسلمين. وصحيح أنهم لم يقفزوا بعد إلى حرب الحضارات والأديان، ولكن مكوناتها الأساسية موجودة. التضامن الميكانيكي
إننا لسنا مضطرين إلى التضامن الميكانيكي مع أي قضية تمس المسلمين؛ لأنهم مسلمون. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". ففكرة التضامن الميكانيكي تضرُّ أكثر ما تنفع، خاصة إذا علمنا أن المسلمين اشتركوا في 54 صراعًا من صراعات الدنيا. فمثلاً الشيشان عبارة عن دولة قارية وسط أرخبيل فظيع، وليس عندها موارد.. فهل من الصالح لها أن تستقل في داخل قارة؟ وهل من الصالح لها أن يؤيد المسلمون استقلالها؟ صراع الحضارات
إن حقيقة اختلاف الثقافات والحضارات حقيقة تاريخية في كل عصور البشرية. يعني البشر - من يوم الخليقة حتى الآن – متعددو الثقافة والحضارات؛ ثم تأتي المصالح والحدود بينهم لتحدد هل يمكن لهذه الثقافات والحضارات أن تتعايش معًا أو لا تتعايش معًا. وطبيعة الثقافة هي التي تحدد قدرتها على التعايش مع الآخرين أو عدم قدرتها. بمعنى آخر، أنه لولا كون "التمدد حول العالم" جزءاً أصيلاً من الحضارة الغربية - باعتبار أن التمدد حول العالم يحقق لها مصالح بأسواق جديدة بعمالة رخيصة بالزنوج - لما استطاعت أن تفرض هيمنتها على العالم، كما نرى الآن. وبالتالي، إذا وضعنا الثقافة مع الرؤية الحركية – سواء لدولة أو لحركة أو لتنظيم – نستطيع أن نعرف إلى أي مدى يأتي الصدام أو لا يأتي.
وصراع الحضارات أو حروب الأديان ليست حروبًا ثقافية فقط؛ إنما هي حروب عسكرية بمعنى الكلمة. فهي لم تتخذ إلا شكلاً عسكريًّا طوال التاريخ. لم تكن فقط عراكًا فكريًّا، ولم تكن نقاشًا في ندوة؛ بل كانت حروبًا بالمعنى العملي لكلمة حرب. وقد تجلت تلك الحرب الحضارية الدينية في 11 سبتمبر 2001م؛ حيث وجدنا أنفسنا أمام مشهد حرب حضارات فعلي؛ أمام حرب دينية حقيقية، يستخدم فيها السلاح والثقافة، ويستخدم فيها طرد العربي واضطهاده، وتصفية الجيوب العربية والإسلامية الموجودة في الغرب على أساس الهوية. وذلك يتطلب منا الإحساس بحالة الحرب؛ فنحن لسنا في حالة سلم نستطيع أن نسترخي فيها ونحلم بالمقترحات الجميلة. لحظة عدم توازن
لحظة 11 سبتمبر هي لحظة انفجار لعدم التوازن الذي يحدث في العالم. هناك نوع من عدم التوازن يمكن أن نسميه بالظلم المكبوت، أو نسميه نوعًا من البركان. وهو قدر من عدم التوازن الذي نشبهه بالزلزال؛ حيث تتحرك طبقات الأرض، وتظل تتحرك إلى أن تجد وضعًا آخر تستقر عليه. و11 سبتمبر هو تعبير عن ذلك؛ فهو تعبير عن عدم التوازن أو الظلم أو الاضطراب الداخلي قبل أي شيء آخر. وتشكل عدم التوازن في انتهاء الحرب الباردة وانفراد أمريكا بالقوة. وفي وسط كل ذلك، تظهر الحركات الإسلامية باعتبارها النقطة الأكثر إحساسًا بما يحدث من عدم توازن.
إن المنطقة الممتدة في شمال إفريقيا إلى آسيا هي المنطقة التي تحرك وتمركز عندها الزلزال. ولا يعني هذا أنها الوحيدة المعنية بهذا الاضطراب أو التوازن الموجود – بل تعاني منه شعوب كثيرة – ولكن هذه المنطقة، بحكم ظروف كثيرة جدًّا، أصبحت المنطقة الأكثر ضغطًا، والأكثر شعورًا بعدم التوازن والظلم؛ وبالتالي يأتي الانفجار من هنا. وإذا كانت منطقة البلقان إحدى المناطق التي أظهرت الصراعات في لحظات، فنجد أنه على خريطة الأمة العربية والإسلامية تظهر هناك الكثير من الاضطرابات، مثل ما حدث في مصر والجزائر ولبنان.
وهذه الاضطرابات لها شقان: اضطرابات داخلية واضطرابات خارجية. فالأمة المسلمة تعيش لحظة الشعور بالهزيمة والظلم لأسباب داخلية في داخل الأمة، وفي داخل أنظمتها وحكوماتها؛ الأمر الذي يجعلها تشعر بأنها في وضع لا تستحقه؛ لأنها ترى اليوم أنها تستحق ما هو أفضل من هذا ولو بقليل. وهناك أيضًا أسباب خارجية تجعل الأمة تشعر بأنها لا تعامل بعدل من الآخرين. هذه الظروف جعلتها منطقة قابلة للتفجير؛ وتعبِّر في النهاية عن الحالة العامة للسياسة الدولية، وليس فقط حالتها مع الغرب أو حالتها مع نفسها.
ومن ثَم، فإن حادث سبتمبر يمثل لحظة الانفجار التي ثبت عندها أن الأوضاع لا يمكن أن تستمر بهذا الشكل؛ وأن مرحلة جديدة لا بد أن تأتي. فكما كان سقوط سور برلين، وانتهاء الحرب الباردة، وسقوط السوفييت في الوحل الأفغاني ينبئ بنهاية مراحل قديمة وبداية مراحل جديدة، يأتي حدث 11 سبتمبر لينهي مرحلة انفراد أمريكا بالهيمنة على العالم.
وفي المرحلة التي سبقت 11 سبتمبر كانت أمتنا الإسلامية مهزومة؛ ومن ثَم، فهي تستشرف قدوم مرحلة جديدة تنتصر فيها؛ ولذا من المتصور أن درجة التغييرات في المرحلة القادمة ستكون كثيرة. الشعور الأمريكي والثقافة الأمريكية
الشعور الأمريكي هو شعور ليس فقط من جرحت كرامته، ولكنه شعور من أصاب مستقبله زلزال عنيف. فبعد أن رسم لنفسه وللعالم صورة معينة، تعرضت هذه الصورة لهزَّة عنيفة جدًّا. ومن ثَم، فهو يتقدم الآن للحفاظ على مكانه بكل شراسة وبلا ضابط.
وأحد مكونات الحضارة الغربية فيه نظرة استعلاء، تصل أحيانًا إلى حد العنصرية، وتبقى أحيانًا في حد الاستعلاء. فهي دائمًا تحمل رسالة حضارية إلى "البربر".. فكلنا بربر. أيضًا في الثقافة الأمريكية، هناك ما يسمَّى باليمين المسيحي. فأمريكا في تكوينها، تختلف قليلاً عن الحضارة الغربية. بما يعني: أن الحضارة الغربية تعلمنت سريعًا، حتى صار العثور على مسيحي خالص في فرنسا أو ألمانيا أو إنجلترا أمرًا في غاية الصعوبة. أما في أمريكا، فتجد فيها قطاعًا مسيحيًّا كاملاً، وقطاعًا آخر علمانيًّا نقيًّا. ومن ثَم، فالتيارات البينية ضعيفة إلى حد كبير. اليمين المسيحي الأمريكي
يتفق اليمين المسيحي مع الرؤية الأسطورية للدور الأمريكي. فنجد اليمين المسيحي – في داخل الحزب الجمهوري الأمريكي – الذي يحمل رؤية مسيحية بالأساس، يتحالف مع اليمين الرأسمالي العلماني الموجود أيضًا في الحزب الجمهوري الأمريكي، الذي يحمل رؤية للهيمنة والمصالح الرأسمالية. والرئيس بوش الابن نموذج حي لهذا المزيج؛ إلا أنه أميل لليمين المسيحي منه لليمين الرأسمالي.
ومشروع اليمين المسيحي يحمل مبدأ الهيمنة الأمريكية؛ وفيه أيضًا مبدأ الاستعلاء – ليس فقط على غير المسيحيين – بل أيضًا على مسيحيي الشرق، الذين يعتبرون أيضًا من البربر. بما يعني أن النظرة الاستعلائية لا تفرق كثيرًا بين المسلمين والمسيحيين. ومن ثَم، فلا يوجد اختلاف بين اليمين المسيحي واليمين العلماني فيما يخص الهيمنة. وفيما يخص استخدام القوة العسكرية أيضًا، لا يوجد خلاف كبير. فاليمين المسيحي يتصور أن يكون العالم كله تحت قيادة المسيحية الأمريكية؛ وكذلك يتصور اليمين العلماني العالم تحت قيادة القوى الأمريكية؛ إذن هناك نزعة للهيمنة يتفق عليها التياران.
ولكن بالرغم من ذلك، فلا بد أن نشهد بأن اليمين المسيحي الأمريكي له بعض المشاكل الحاسمة مع الفكرة العلمانية الأمريكية. يعني هو ضد الشذوذ على خط مستقيم، وبصرامة شديدة جدًّا ضد الإجهاض. (وقد ارتكبوا جرائم قتل ضد أطباء يجرون عمليات الإجهاض). وهو ضد العلمنة في المدارس، وكذلك ضد الشق العلماني السائد في الحضارة الغربية. وهذا يعني أن هناك أيضًا نوعًا من عدم التوازن والاضطراب داخل بنية المجتمع الأمريكي. الخطاب الديني
إن الشعور الشديد بالظلم في العالم العربي والإسلامي تجاه أمريكا، يسمح بشحذ كل الثقافة الشعبية تجاه هذا الأمر، بموروثها الديني وبموروثهم من العادات والتقاليد. إذن الخطاب الديني – في هذه اللحظة – لا يمكن الهروب منه؛ لأنه هو الخطاب الموجود في الثقافة الشعبية؛ والذي يحاول شخص مثل بن لادن أن يجمع هذه الثقافة ويعبر عنها.
إن القضية ليست قضية إشكالية فقهية. بمعنى أن ما يفعله بن لادن من "جهاد" إنما هو جزء من فقه الواقع الذي فرض تركيبة فكرية معينة؛ فرضها على هؤلاء الذين يشعرون بالظلم، ويرون أن مواجهة أمريكا مستحيلة؛ وإذا كانت ممكنة، فهي ممكنة بعمليات انتحارية أو استشهادية أو تفجيرات.
الأمريكان أيضًا محتاجون إلى شعار الدين؛ لشحذ قوتهم في هذه الحرب. وكما فعلت الصهيونية – رغم جذورها العلمانية الضخمة – في استغلال الشعار الديني اليهودي من أجل أن تقود حربها، فقد استخدم الأمريكان أيضًا شعارهم المسيحي اليميني الذي يتكلم عن حرب نهاية العالم، وأن السيد المسيح سيأتي ليحكم الأرض ألف عام، ويقهر قوى الشر التي تتمثل في العرب وغيرهم من الجنسيات "الدونية". وبالتالي، تصير هذه المقولات مقولات جيدة للتعبئة، لجمع الأموال، ولتحمل الشعب الأمريكي أية نتائج قد تأتي عليه. الحرب الدينية
توجد عدم عدالة في العلاقات الدولية، وعدم تحمل التعددية الحضارية، خاصة من القوى الكبرى التي تملك الأدوات، ولا تقبل التعددية الحضارية بهذا المعنى الدقيق. وبالتالي، تأتي فكرة الحرب الدينية وحرب الحضارات، باعتبارها الشعار الذي يفرض نفسه بحكم هذه الوقائع.
بالنسبة للحركات الإسلامية، فهي تتغير تغيرات سريعة جدًّا، بالرغم من الحصار الذي صارت تواجهه منذ التسعينيات. وبدأت الحركات الإسلامية تجد أن التغيير بالقوة في الداخل ليس له نتيجة إلا السلبية؛ والبعض بدأ يرى أن التغيير بالقوة هام على السياسة الخارجية؛ لأنه الوسيلة الوحيدة المتاحة. وبدأ يحدث نوع من العزل في صفوف جماعات كثيرة، حتى الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد. وبدأ البعض يتبلور بعيدًا عن بن لادن، والبعض يتبلور قريبًا من بن لادن؛ وانقسمت التيارات إلى تيارات تريد أن تغير في الداخل، ولا تريد أن تستخدم القوة مرة أخرى في الداخل؛ لأنه لم يكن لها أي نتيجة جيدة؛ وهي بهذا تقترب من تيار الإخوان.
وتيار آخر يرى استخدام القوة هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة الخارج، وذلك تيار بن لادن. حتى هذا التيار شهد تطورات في داخله؛ فأصبح راقيًا إلى حد كبير، ويستخدم القوة بشكل مباشر وسريع. وكذلك لم يَعُد هناك تنظيم قوي؛ فالارتباطات التنظيمية صارت هلامية. فابن لادن لا يرتبط بكل من يعرفهم ويتعامل معهم؛ فقد يرتبط معهم في عملية ويتركهم في عملية، وهكذا... النضال البنائي
النضال البنائي هو أحد بدائل التغيير السلمي. وعالم اليوم يحتاج إلى هذا النوع من النضال. وعلى الحركات الإسلامية أن تعمل به. فهو يتمثل أساسًا في بناء قوة اقتصادية، سواء بشكل مشاريع شخصية، مشاريع كبرى، مشاريع عربية، أو مشاريع إسلامية. وامتلاك عناصر هذه القوة الاقتصادية هو جزء من الحرب والنضال؛ ولن يكون ذلك سهلاً.
امتلاك القدرة على النضال الإعلامي – مثل شبكة "إسلام أون لاين.نت" – يقع أيضًا في هذا المجال. فالقدرة على التأثير بأدوات هذا العصر، وبقيم حضارتنا الإسلامية؛ ومن ثَم الوقوف أمام الآخر، منافسين له في هذه النقاط بالذات، التي هي مصدر قوته.
إن النضال البنائي ليس فقط مجرد تغيير سياسي سلمي، بل هو – أكثر من ذلك – تغيير حضاري سياسي سلمي. وهو أكثر صعوبة؛ لأنه يحتاج إلى نفس أطول وإلى جهد أكبر. والإسلاميون ملزمون بامتلاك رؤية بنائية، والتحرك من أجل بناء مصادر قوة لهذه الأمة.. مصادر تصير أدوات لها في النضال ضد أي تهديد خارجي. وفي نفس الوقت، يعيننا النضال البنائي على تقويم ضعفنا الداخلي، الذي يشكل تحديًا لا يقل خطورة عن التحدي الخارجي.
وللأسف الشديد، شهد النضال البنائي فشلاً ذريعًا في تطبيقه. لقد ضاعت فكرة النضالات البنائية – التي حاول الكثير من الإسلاميين تطبيقها – في وسط أتون الصراع السياسي، وفي إطار الصدام بين الإسلاميين والسلطة، سواء كان صدامًا حقيقيًّا أو صدامًا مفتعلاً. سلبية المسلمين الأمريكان
المسلمون في الغرب – للأسف – لا يتخذون موقفًا قويًّا حيال الحرب الأمريكية ضد أفغانستان، فهم غير متواجدين في قلب الحركة المناهضة للحرب والعنصرية.. وتوجه بوش. وينقسمون ما بين مؤيد لبوش ومن لا يعلم لنفسه دورًا في هذه الأزمة. ويظل الأمر مدهشًا، كيف أن المسلمين الأمريكيين قادرون على عزل أنفسهم عن هذه الأحداث الخطيرة، وكيف أنهم يرونها غير مرتبطة بهم. إن عدم إدراكهم للأحداث بشكل عالمي (global) – لحل مشاكلهم المحلية – سيؤدي بهم إلى الضياع. فتوى القرضاوي
إن فتوى الشيخ القرضاوي – بخصوص مشاركة العسكريين المسلمين (من 15 إلى 20 ألفًا) في الجيش الأمريكي – جاءت لتحمي الوجود الإسلامي المهدَّد في داخل الولايات المتحدة الأمريكية. فهذه الفتوى بمثابة "حائط سد" للإبقاء على هذا الوجود. فالمسلمون في أمريكا يُنظر إليهم الآن على أنهم متهمون (sleepers)، وأنهم يدبرون العمليات في الخفاء. وطبعًا، شعور "المتهم" شعور قاسٍ للغاية، لم يجرِّبه ولم يَعِشه المسلمون في خارج أمريكا. ومن ثُم، يحاول المسلم الأمريكي دائمًا دفع الاتهام عن نفسه بأي طريقة، لدرجة تصل إلى مبالغته ومغالاته في إظهار تأييد النظام الأمريكي. هذا يعني، أن الفتوى قد أبيحت من باب "الضرورات تبيح المحظورات". وأضاف القرضاوي أنه من الأحسن بقاء العسكريين المسلمين في الأعمال المساندة: كالتموين، والإمداد، والإعاشة، والدواء، والصحة.
ولكن الدكتور "طه جابر علواني" اعترض على الفتوى، حيث قال إنه ليس من اللازم الأخذ بهذه الفتوى؛ لأن المواطن الأمريكي – بوجه عام – لديه حقوق دستورية وقانونية تبيح له عدم المشاركة في الحرب باسم الحق في معارضة الضمير. فلماذا نتخلى عن هذه النقطة الدستورية؟
كثير من الناس سيقولون: لماذا لا يرجع مسلمو أمريكا إلى بلادهم بدلاً من أن يقتلوا شعبًا مظلومًا؟ ولكنهم ينسون أن عدد المسلمين الموجودين في أمريكا قد وصل حاليًا إلى 9 ملايين؛ أي أنه وجود حقيقي. بالإضافة، أنه يوجد منهم الكثيرون الذين ولدوا ونشئوا بأمريكا؛ أي أنه ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه. حتى البعض الآخر – الذي له وطن غير أمريكا – ليس له مكان في وطنه؛ أو لا يستطيع أن يعود إليه لظروف أمنية. إذن، مسلمو أمريكا لا يستطيعون أن يتخلصوا من قيود المواطنة الأمريكية المفروضة عليهم بهذه السهولة؛ ومن ثَم، فهم لديهم فقه خاص. وهذا من عظمة فقهنا الإسلامي، الذي يرتبط بالبيئة. فالإسلام ليس دينًا جامدًا؛ بل هو يتأقلم بسرعة مع البيئة التي حوله.
والمحزن في الأمر، أن يتم الهجوم على الشيوخ الأجلاء، أمثال القرضاوي. هؤلاء الشيوخ الذين يمتلكون قدرات تفوق الاجتهاد والنظر في النص الأصلي. وقليل من العلماء الذين لديهم هذه القدرات الابتكارية والإبداعية. فللأسف، إن السواد الأعظم من العلماء والباحثين في منطقتنا العربية لا يعرفون سوى القراءة والجمع؛ ولكن ليس لديهم القدرة على ابتكار فكرة جديدة. نظام دولي جديد
نحن نحتاج إلى التفكير في التغيير الذي سيحدث؛ نحن في حاجة إلى تنظيم دولي جديد بعدما فشلت الأمم المتحدة – بالثلث – كتنظيم دولي. فيا ترى كيف سيكون شكل النظام الدولي الجديد بعد انهيار أمريكا؟ وهل سنستطيع – ونحن بهذا الضعف – أن ندخل ذلك النظم الجديد؟ هل سيكون لنا دورًا في بنائه؟
وبخصوص النظام الإقليمي العربي، فقد انتهى منذ زمن – منذ حرب الخليج الثانية. ومن ثَم، فنحن مطالبون كعرب وكمسلمين إلى التفكير في النظام الإقليمي المناسب للعرب. فاليوم بدأ الناس يشعرون لأول مرة بمدى أهمية منظمة المؤتمر الإسلامي. فالإسلام صار مطروحًا عالميًّا، لدرجة أن أمريكا نفسها تنتظر الآن بيان منظمة المؤتمر الإسلامي.
وبالفعل، بدأ الكثير من الناس يفكرون في الأجندة المفروضة مستقبلاً. والشعوب نفسها بدأت تتغير ببطء؛ ومن ثَم، فعلينا ألا نستهين بمظاهرات الشعوب العربية.. فمظاهرة في شوارع القاهرة يمكن أن توقف أمورًا كثيرة، وغيرها في باكستان أو السعودية... إلخ. إعادة تعريف الذات
الإسلاميون بحاجة إلى تعريف ذاتهم. والحركات الإسلامية بحاجة إلى أن تصنف نفسها. فهي لن تستطيع أن تبني تحالفاتها إلا بعد أن تعرف نفسها. وللأسف، ما زالت الحركات الإسلامية تقع في نفس الخطأ، ألا وهو: أنها تتكلم عن نفسها كأنها حركات دعوية اجتماعية تناضل نضالاً سياسيًّا. ربما لو أنها بدأت في تعريف نفسها كحركات مدنية، تبني الثقافة المدنية في أدواتها، وتبني النضال السلمي في آفاقها - ربما كان هذا خيرًا لها.
وتوجد بؤرتان - لا ثالث لهما - في الكلام عن تغيير العالم: بؤرة منطق القوة، وبؤرة النضال المدني. فإذا بعدنا عن إحدى البؤرتين، سنصير من المتفرجين المعزولين. مقترحات أخيرة
- رؤية الإرهاب أنه ليس مجرد wanted – بمعنى ثقافة الغرب الأمريكي – بل بنية هيكلية لها أسباب هيكلية. - بلورة رؤية مفهوم الجهاد. - نزع شرعية هذه الحرب. - إعادة بعض الاعتبار للتنظيم الدولي. - تدعيم النظام البنائي. حرب مفتوحة
ليست قضيتنا الأساسية هي الرد على أسامة بن لادن أو نفي صلتنا به – باعتباره القلة المنحرفة في الأمة أو الابن العاق لهذه الأمة – إنما قضيتنا أن نواجه تلك الحرب المفتوحة؛ تلك الحرب التي أظهرت كل الصراعات الكامنة على السطح. نحن في حالة جهاد؛ نحن في حالة نضال بكل الوسائل والأساليب. إنها حرب يمكن استخدام كل الطرق فيها للوصول إلى النصر، وأدوات هذا العصر أتاحت أدوات كثيرة للحروب، ويعتبر النضال البنائي أو الجهاد البنائي أحد هذه الطرق.
إذن قضيتنا ليست في أن نحصر أثر ما يفعله أسامة بن لادن، ولكن قضيتنا أن هناك علينا التزامات كثيرة ووسائل عديدة، لنقوم بها ولنضيفها إلى مصادر قوتنا في هذه المعركة المفتوحة. اقرأ أيضًا:
§ مستقبل المسلمين في أمريكا بعد الأزمة § الغضب الأمريكي: أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية؟ § العالم العربي ما بعد ضرب أفغانستان § الانفجارات الأمريكية: الأبعاد والتأثيرات § العرب: العدو الجاهز في الانفجارات الأمريكية § انفجارات أمريكا وردود الأفعال العالمية § آفاق الحوار الإسلامي – القومي § أوضاع الأقليات المسلمة في العالم § بعد التفجيرات: الإسلام ينتشر أكثر! § الأنظمة العربية والإرهاب.. تصفية الحساب مع المعارضة |