ارتفعت اسهم تداول المصطلح التركي واسم الطيب رجب اردوغان في بورصة التداول الاعلامي ومراكز البحث والقرار، كمؤشر على التأثير المتزايد للسياسة التركية في المنطقة والعالم، اضافة للكاريزما الشعبية التي تتمتع بها تلك التجربة ورموزها كلما اقتربت من فلسطين والعكس صحيح، يبدو السياق التراكمي الطويل في البحث عن الذات التركية التي غربتها الأتاتوركية منذ سقوط الخلافة العثمانية ظلت (عجفتها) كامنة في اصلاب الأتراك تبحث عن لحظة استيلادها التاريخية المناسبة قد حطت رحالها بداية مع حزب الفضيلة والطيب الذكر الآخر نجم الدين اربكان قبل ان يستلم رايتها الطيب الحالي رجب اردوغان وحزبه العدالة والتنمية، الذي بات اسمه مقيتاً للصهاينة بقدر عذوبة لحنه المشرقي، ادى اكتشاف الذات التركية عبر السعي الشامل للشعب الى الأفصاح عن قدرات كامنة قادرة على احداث التغيير المطلوب الذي استغرق سياقاً تراكمياً كماً ونوعاً، الا ان السياق اياه لا معنى له بغياب القيادة القادرة على اغتنام اللحظة التاريخية المناسبة بالاستلام السلس ليس فقط للسلطة بل (تسلم وتسليم) بين حقبتين وجيل لكل منها منظومتها الثقافية والحضارية المتكاملة لاحداث التغيير وصنع المعادلة والشخصية الوطنية عبر التنمية الشاملة والمستدامة، التي تستطيع تفويت الفرص لاجهاضها حيث تعمل دوائرها المعادية لاستدراجها للمغامرات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تذهب بالفرص البديلة او في ما معنى ذلك من الاستهدافات، كما حدث في الجزائر مع جبهة الانقاذ ومثيلاتها الاخوانية في مصر وغيرها. والحديث عن اردوغان لا يلغي الحديث عن الترسانة المهيبة من رفاقه الكثر بمن فيهم عموم الشعب التركي نفسه في مختلف محطات ومواقع التغيير، في طليعتهم الرئيس الحالي عبدالله غول، تجلت قسمات الشخصية التركية الجديدة بداية ما عرف بحرب الخليج الثانية عندما قايض العرب العراق بوهم مؤتمر مدريد (للسلام) الذي اغتال عرفات والياسين والرنتيسي.. وصنع اوسلو وحربي تموز وغزة وانتهى للتفاوض المباشر الحالي، حينها رفض الأتراك مشاركة الأمريكيين مغامرتهم ومؤامرتهم على العراق والأمة، على الرغم من الاغراءات في ملف تركمان كركوك والعراق (ليبلغ مسارهم الجديد ويتوج بالاستشهاد واسطول الحرية) حيث الهدف يتخطى اسقاط صدام لصالح السيطرة الاستعمارية على المقدرات واقامة ما عرف بالشرق الأوسط الجديد تحت عناوين انسانية وديمقراطية زائفة بشهادة سجن ابو غريب وغوانتنامو وملجأ العامرية، مروراً بكل مجازر (الديمقراطية والحرية) التي اعلنت والتي لم تعلن، الذي تكون فيـه تركيا وامثالها ملحقات اسرائيلية. جاء الرفض التركي الحليف التاريخي الاستراتيجي لأمريكا بعد اسرائيل بالمنطقة ليعبر عن خواء المناورات العسكرية المشتركة التي لا يمكن استثمارها في لحظات الحرج الأمريكي الصهيوني، خاصة ان العرب والمسلمين عموماً بل العالم كان يعتقد حينها استحالة رفض اوامر الكاوبوي التكساسي الشهير دبليو بوش لحظة هيجانه المدمر وهو يجلس على حافة فوهة بركان 11أيلول/سبتمبر، لقد حصد الأتراك نتائجهم الوفيرة في سلة صناعة شخصيتهم واكتشفوا ذاتهم بقدر تلك 'اللا' القوية وبقدر خضوع الآخرين خاصة العرب، واية لا اخرى بالنسبة للأتراك ستكون اقل كلفة لأن بداياتها كانت لحظة الذروة، وبالتالي دخل الأتراك المعادلة الجديدة من اوسع ابوابها وتركوا مهابة السوط للآخرين. تحول الدور التركي من الاستلحاق للشراكة التي يعمل على تفعيلها بمنظومة متكاملة من الاداء الرصين، مزيد من الاصلاحات سيعزز ذلك الدور، على الرغم من سعي الأتراك نحو عضوية الاتحاد الأوروبي، الا ان الملحق القديم ما بعد الرقم ثلاثين لم يعد هاجسهم الأول، والاستراتيجية التركية البسيطة تقضي بعدم تعارض علاقاتها وتوجهاتها سواء الثنائي او الجمعي منه الا انها تملك سلم اولويات يمكنها الصرف من بنك الأهداف الذي يراعي الدور الجديد بما يحقق ترتيب تلك الأولويات، فالتوجه المشرقي التركي لا يعني بالضرورة ان تدير ظهرها للأوروبيين وغيرهم، العكس صحيح مقدمة للانتقال بالدور التركي من العرض الى الطلب، بدأت العلاقة التركية بالانتقال من التموضع الاستلحاقي للمحاور الى تقاطع غير حيادي عام في المنطقة والعالم، مما يعني ابتكار دور جديد للدبلوماسية والسياسة، وفي هذا السياق يسجل لوزارة الخارجية كمؤسسة الكثير، شكل الدور التركي تقاطعاً اقليمياً عاماً لا سيما بين السوريين والايرانيين من جهة، ومع الغرب عموماً، في ظل العلاقة المتوترة بين اكثر من ثنائية كالتوتر الايراني مع السعوديين والمصريين واليمنيين والاماراتيين.. كذلك التوتر السوري المصري واشكاليته مع السعوديين، بما لتلك المشاحنات من انعكاسات على اكثر من ساحة عربية، في الوقت الذي يرفع فيه عموم الشارعين العربي والاسلامي رايات حزب الله اللبناني فان المقاومة في بيروت ترفع الأعلام التركية وتقيم مهرجانات التأييد لها وتؤبن شهداء اسطول الحرية في ضاحية بيروت الجنوبية معقل المقاومة ورمزها، من جهة اخرى حقق الأتراك تعديلات ديمقراطية بنيوية مهمة في فترة قياسية، كما يعتبر نموهم الاقتصادي الأهم في المنطقة والعالم 13، 5' والأهم ان الدور التركي بدأ يشكل حاجة للاستقرار الاقليمي، بحؤوله دون اندلاع الحروب المحتملة، ومطلباً سياسياً حيوياً للكثير من الملفات الشائكة بدفع الحوار بين المتخاصمين، كاشتراط السوريين للدور التركي في قضيتهم والعرب مع الاحتلال الاسرائيلي، كذلك الدور المميز في الملف النووي الايراني بما عرف بالاتفاق الثلاثي الايراني التركي البرازيلي، والذي يبدو مع التصريحات الجديدة للرئيس الايراني ورد الغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية الجديد ان ذلك الدور والاتفاق مع بعض التعديل لا زال الاطار الأمثل لحل الملف النووي الإيراني، من المهم القول ان الدور التركي الجديد محل تأييد واجماع على مستوى القاعدتين الشعبية العربية والاسلامية، التي على الرغم من اختلافها على امور كثيرة في السياسة والطائفية والمذهبية والقومية والعرقية وغيرها الا انها تجمع على الموقف التركي الذي يعطيه هامشا واسعاً للمزيد من التأثير الفاعل لا سيما في موقفه المعلن وادائه العملي تجاه اسرائيل، والذي يأتي باتجاه متصاعد بلغ حدوداً مهمة في دافوس واسطول الحرية، حيث قدم الأتراك ثلة من شهدائهم عند شواطئ غزة ولا زالت مفاعيل الاعتداء الاسرائيلي تلقي بظلالها على ملف العلاقة الثنائية بين البلدين في ظل عدم تراجع تركي، حد منه مرحلياً الواقع الداخلي الذي اعطى اردوغان المزيد من التفويض عبر نسبة الاقتراع الشعبي على قضية التعديلات الدستورية 58' التي تقرأ بالمزيد من الثقة التي يمنحها الجمهور التركي ليس فقط لتعديلات دستورية نمطية، بل تجديد التفويض لحزب العدالة والتنمية خاصة بعد اعلان زعيمه قبيل التعديل انه سيعتزل العمل السياسي في حال رفضها الشعب، مما يعني فهماً راقياً ومسؤولاً لأصول القيادة التي تكون عبر ارادة الشعب نفسه بتوكيل شفاف وصريح، بمسيرته الجديدة باحداث تغيير جذري في منظومة الدولة والأمة التركية على كافة المستويات الداخلية والخارجية يتعلق بنمط حياة وأداء سياسي وثقافي، بل وحضاري مختلف عما كان سائداً بما يعني انقضاء مرحلة وبداية اخرى لها شخصيتها الاعتبارية المستقلة على مستوى الكيان التركي بما له من مفاعيل اقليمية ودولية، الاستنتاج المهم ان السياسة التركية الجديدة على المستوى الداخلي والاقليمي، حيث تنهك المنطقة بصراع النظريات عبر الاستغلال العنصري بالمنظومة المعهودة ذات الوسائل المدمرة، فان تلك السياسة تذيب تلك الفروقات في اتون سياسة النهوض المقاوم الشامل، هناك اسئلة تطرح باتجاهات عديدة عندما يعتبر بعض المحللين انها بداية التحديات التركية اقلها الاقتصادية، الأول حول قدرة الغرب عموماً والصهاينة خصوصاً بقطع الطريق على التحول التركي، اما بجزرة الانضمام للاتحاد الأوروبي بالشروط الغربية او بعصا القضية الكردية وحزب العمال خصوصاً، كذلك ملف الابادة (الأرمنية) الكامن بالاضافة الى العديد من اوراق الضغط الأخرى التي لا تقل اثارة.. والثاني حول دور العرب والمسلمين الجدد المشبوه بالغمز من قناة التحالف الاعتدالي العربي مع الغرب واسرائيل في وجه ايران، حيث تقطع الطريق عليها بقيادة المشروع الاسلامي بدعوى التمذهب عبر مقولة تصدير الثورة، باعتبار ان النظام العربي برمته ينظر بريبة للتجربة التركية الديمقراطية الوليدة بين ظهرانيه لما يمكن ان تشكله من نموذج ديمقراطي تتطلع اليه الكثير من الشعوب العربية والاسلامية، على الرغم من عدم مثاليته الا انه المشروع الأكثر احتمالية، رغم ابتعاد تركية عن اي استفزاز بهذا الشأن بدليل فضائيتها العربية الوليدة التي ابتعددت عن تفاصيل الأحداث والسياسة في تلك البلدان وتركيزها على تقاطعاتهم الايجابية، رغم ندرتها. كما ذهب العرض التلفزيوني الآخر نحو العادات والتقاليد والمطبخ التركي، ومع هذا يبدو الهلع الرسمي العربي والاسلامي بدليل الفتور السائد في تلك العلاقات الرسمية التي يطلب منها فقط عدم استخدام سلاحها التدميري الفتاك الطائفي والمذهبي والعرقي او القومي.. ومن دون الحؤول عبر الحدود او اية وسائل وآليات اخرى بترجمة العلاقة الشعبية الى المزيد من التلاقي وتبادل المصالح، خاصة الاقتصادية والثقافية.. فحجم التبادل والاتفاقات على تقدمه لا زال دون المستوى المطلوب مع العرب بشكل عام، حيث يخطط الايرانيون والأتراك لرفع سلة تبادلاتهم الى ما فوق 60 مليار دولار.. والسوأل الآخر حول قدرة تركيا مع القوى الاقليمية التي تشاركها الرؤية على انجاز تحالف اقليمي قادر على تعزيز المفاهيم المماثلة تستطيع مجتمعة مواجهة التحديات المختلفة كالتي يقوم بها الغرب تجاه اية محاولة نهوض شرقية، الا ان المتابعين للشأن التركي يثقون بقدرته على الصمود لدواعي عديدة ابرزها ان التوجه الجديد هو مسار ورغبة تركية عامة لم يسقط بالانقلاب المعهود او عبر الاستغلال السياسي او النخبوي الرخيص او اي من ادوات الاغتصاب والخداع السلطوي، فالتجربة بما لها من ثراء على مستوى الأفراد والجماعات والأفكار والتجارب وصدق العزيمة والنية افقياً وعمودياً بعد تجربة اغترابية عن الذات مادية ومعنوية، سواء عبر العلمانية الأتاتوركية او عبر الاغتراب الجغرافي والنفسي في الغرب، خاصة في مفخرته المانيا، ادرك من خلالها الأتراك ان روحهم لا يمكن ان تكون علمانية، بل غير مشرقية، كما لا يمكن لهم ان يكونوا ملحقين بأوروبا بعد خبرتهم الطويلة وعيشهم المديد في الغرب، حيث حافظ الأتراك على هويتهم فهل يعقل ان يتخلوا عنها في تركيا بعدما ذاقوا حلاوتها؟! قوة التحول التركي الجديد انه يستمد قوته من قدرته الفائقة على اعادة احتكامه للشعب بشفافية مطلقة مما يعطيه المزيد من المناعة الكفيلة باستمرار المسيرة التي اعجزت بسلاستها الخصوم، من دون اكراه او تهديد الوسائل البديلة للوقوف في وجه التغيير. وينبغي الاشارة ربما الأهم لكل من يريد استلهام التجربة التركية التي يجب ان تعطى كامل الفرصة لاثبات ذاتها والتي نحاول الابتعاد عن وصفها بالثورة، خاصة بعد ان حمل هذا المصطلح الكثير مما لا يحتمله من بعض الكثيرين الذين ادعوه، انه عمل تغييري لا يرهق معتنقيه بالتصفيق ورفع يافطات الانتفاخ والنفاق السياسي والاجتماعي بقدر ما هو فعل جماعي جاد ومسؤول، ولأنه ببساطة لا يعتمد على البطل الفرد المنقذ الذي يصبح فوق القداسة نفسها فيعيث فساداً واسرته لاحقاً بفسادها، او المجموعة الصغيرة المغامرة (حيث تأكل الثورة ابناءها لاحقاً ويتحول الثوار الى تجار للقضية ونزلاء فنادق وقصور) على الرغم من بروز اكثر من نجم وطيب، بقدر ما هو خيار وسعي جماعي استنهاضي يتصف بالحكمة والاقدام والتنوير.
' اعلامي كاتب لبناني
|