يعيش شعبنا هذه الأيام خيبة أمل مريرة، ذلك لأنه رأى آماله تتحطم، ومُثله تذوي وتدبل، وثقته "بالعودة" تضعف وتتهاوى .. وهو معذور الى حد كبير إذا ما أدت به هذه الصدمة الى شيء من اليأس، لأنه قد تخلى - عملياً - عن مسؤولية الجولة الثانية، إما ثقة منه بالذين تصدوا لمسؤولية العمل، أو عجزاً عن تحمل العبء الثقيل .
فالقضية ليست حرب كلام ومجال دعاية وإعلام، وإنما هي معركة مصير تكلف المهج والأرواح.
لكن .. هل كان من الصواب أن ينحى الشعب عن المعركة؟ هل كان من الخير للقضية أن يسلمها أبناؤها لحكومات أو زعامات مهما بلغت فيها نسبة الثقة ...
هذا ما نود أن يستفيد منه الشعب في هذه المرحلة .
"العودة" ما كان لها أن تتحقق إلا بشيء واحد، هو أن تعود القضية الى أيدي أصحابها، وأن يتوفر في هؤلاء جنود العقيدة الأوفياء، من يحرصون على الموت كي توهب لهم الحياة، من يؤمنون بأن الدنيا وما فيها من مباذل ومفاتن عرض زائل، وأن طريق الخلود هو الموت في سبيل العقيدة .. أما أن تعلق الآمال الكبار على منعطفات السياسة ومتعرجاتها، وأن يتخذ من القضية مجالا للمزايدة والمهاترة، فقد كان واضحاً أنه لن يحقق أي هدف..وقد حصل .
والآن ..علينا أن نبدأ من القاعدة وليس من القمة ...أن نقيم صروح الإيمان في النفوس مع إقامة الحصون على خطوط النار.
أن ننتزع الأنانية والحقد والمصلحية من النفوس ، وأن نغرس مكانها حب البذل والتضحية واسترخاص كل غالٍ في سبيل الهدف .. وأن تكون لنا بعد ذلك القيادة المؤمنة الواعية التي تعرف ماذا تريد، وكيف تصل الى ماتريد .
فإذا توفرت لنا هذه النوعية من الجنود فكل شيء بعد ذلك ممكن، ولنا من تاريخنا خير شاهد نستضيء به في دربنا الشائك الطويل.
فإلى شباب الأمة ورجالها، نسائها وفتياتها نسوق بين يدي المعركة وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأحد قادة الجيوش الإسلامية، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ((.. أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال. فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب. وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراس من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم .
وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفصل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل – لما عملوا بمساخط الله- كفرة المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، وسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألون النصر على عدوكم..).
فتحي يكن