|
منذ حصول "البيريسترويكا"في منظومة الاتحاد السوفياتيى السابق وتراجع الإيديولوجية الماركسية في العالم، بدأ الإعلام الغربي بالحديث عن وريث سياسي واقتصادي ضعيف للإدارة المركزية السوفياتية السابقة في موسكو متمثلاً بروسيا التي أنشأت اثر الانهيار"الاتحاد الروسي الفيدرالي". يبدو أنّ الهدف من ذلك هو إقصاء القوة الروسية عن المشهد الدولي لإعاقة نهوضها فيما لو لم تقدم الطاعة العمياء للبيت الأبيض المستريح للتو من هاجس الثورة الحمراء التي أقلقته وأعاقت توسع نفوذه بنسب متفاوتة في الدول النامية ووسط الشعوب المستضعفة. لقد مرّ الاتحاد الروسي الفيدرالي بمطبات اقتصادية وسياسية عديدة تمّ اجتيازها بنجاح، فمن انقلاب أعقب البريسترويكا في بداية التسعينات،إلى أزمة اقتصادية عام 97 أدّت إلى حذف الأصفار عن الروبل الروسي الذي هبطت قيمته بشكل قوي،إلى محاولات استهداف أمريكية أرادت التسلل إلى الوسط الروسي الاجتماعي من خلال الملياردير الأمريكي"جورج سوروس"وغيره،فشكّلت روسيا مع بيلاروسيا وأوكرانيا رابطة الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي السابق لتكون صاحبة النفوذ والكلمة الفصل في دول تمتلك مخزوناً نفطياً وقوةً صناعيةً لا يستهان بها،كجمهوريات آسيا الوسطى،وها هي اليوم توجه الضربة للولابات المتحدة الأمريكية على الأراضي الجورجية لتقول لواشنطن بأنّ روسيا اليوم ليست روسيا الأزمات بعد الانهيار السوفياتي.
*روسيا الفيدرالية والمجتمع الدولي: ترغب روسيا في لعب دور في حل الصراع العربي الإسرائيلي واثبات وجود لها في الحراك السياسي داخل دول البلقان، لأنّها تريد أن تبرز كقوة كبيرة على الساحة الدولية، وقد وجدت روسيا أنّ دورها على الساحة الدولية قد تقلّص إلى حد كبير،وأنّ الدول الغربية تعمل على حصارها داخل حدودها وإضعافها اقتصادياً،والتضييق عليها من خلال ضم جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، ونشر الدرع الصاروخية الأمريكية. ووجدت نفسها، وهي الدولة النووية العظمى،صغيرة على المستوى العالمي، ولا تستطيع منافسة أحد حتى على مستوى مصالحها الحدودية المباشرة،وهذا ما دفعها لشنّ الحرب على جورجيا. *العلاقة الروسية اللبنانية: مع بداية التسعينات، تزايد عدد الوافدين اللبنانيين إلى الجامعات الروسية، فشكّل خريجو الجامعات الروسية ورجال الأعمال اللبنانيين في المناطق الروسية صلة وصل هامة بين لبنان وكافة أطياف المجتمع الروسي، وفي تلك الفترة سجلت زيارات عديدة متبادلة على المستوى الرسمي أبرزها الزيارة الشهيرة التي قام بها الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى موسكو. إبان حرب تموز، الموقف الروسي كان مميزاً باستنكاره للعدوان على لبنان حيث سلّطت الشاشات الروسية الأضواء على استهداف المدنيين اللبنانيين وضرب البنى التحتية. بعد حرب تموز ساهمت روسيا بإعادة بناء بعض الجسور التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية، وفي خطوة لافتة اعتبرت روسيا الدولة الوحيدة التي وافقت على تسليح الجيش اللبناني بطائرات محاربة من نوع Mig وفي ذلك مفارقة هامة مع الدول التي أظهرت اهتماماً بسيادة لبنان واستقلاله لكن لم يتعدّى دعمها تسليحاً للجيش اللبناني بشاحنات Hamer العسكرية، وها هو فخامة رئيس البلاد يستقبل في روسيا أثناء زيارته الأخيرة استقبالاً رسمياً رفيع المستوى ويمنح الدكتوراه الفخرية من إحدى أهم الجامعات الروسية في مجال العلوم السياسية لتمض العلاقات اللبنانية الروسية قدماً متسمةً بالتميز والشفافية. *نظرة روسيا للمقاومة في فلسطين ولبنان: تؤيد روسيا قيام دولة إسرائيل وحقها في الأمن والسلام وهي عضو في الرباعية الدولية التي تتبنى خارطة الطريق، وهي تدين العمليات الاستشهادية التي تقوم بها "حماس" في التجمعات السكانية الصهيونية، لكنّ روسيا وبعكس الاتحاد الأوروبي وأمريكا رفضت إدراج "حماس" في قائمة التنظيمات الإرهابية وعمدت إلى دعوة قادة حماس السياسيين إلى موسكو عام 2006 بعد فوز الحركة بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، وكذلك فعلت في الشهر الفائت مستفزةً بذلك قادة الكيان الإسرائيلي. أما بالنسبة للمقاومة في لبنان فلا تعتبرها موسكو منظمةً إرهابية مع انتقادها لأسر حزب الله لجنود صهاينة في تموز 2006 إلاّ أنّ الإعلام الروسي أبرز بشكل ملفت العدوان الإسرائيلي على لبنان. *القضية الشيشانية تباعد بين روسيا والشعوب الإسلامية: بغض النظر عن العديد من الممارسات التعسفية من قبل القيادة الروسية بحق المسلمين كحظرها لنشاط "جماعة الدعوة والتبليغ" وانتهاكها في حربها مع الشعب الشيشاني لأهم وأبرز قواعد وأسس القانون الدولي الإنساني، تبقى أجواء الحرية الدينية هي السائدة في كافة أرجاء الاتحاد الروسي لا سيما في الجمهوريات ذات الحكم الذاتي حيث مظاهر الالتزام الديني والحجاب في المدارس والجامعات وتكاثر بناء المساجد ووجود مجالس المفتين، بعكس حرية "كوبنهاغن" التي سمحت بالرسوم الكاريكاتورية المسيئة لنبي الأمة وحرية باريس التي تحظر الحجاب في المدارس الفرنسية والأماكن الحكومية وحرية البيت الأبيض التي تدعم ديكتاتوريات العالم العربي خوفاً من الصعود الإصلاحي، وعلى الرغم من حرص روسيا على إقامة علاقة مميزة بينها وبين العالم الإسلامي، لكن تبقى القضية الشيشانية مقياساً لديها لرسم ماهية العلاقة بينها وبين أي طرف إسلامي حيث تشكل قضية دعم المقاتلين الشيشانيين لديها خطاً أحمراً، وهذا الذي أدّى إلى حصول برودة في العلاقة بينها وبين المملكة العربية السعودية وقت اندلاع الحرب الشيشانية الأولى. هنا لا بدّ من الإشارة وبعد اختلاط الأمور والضبابية التي أصابت الجهاد الشيشاني وانتشار الفكر التكفيري وسط جمهوريات شعوب القوقاز إلى ضرورة أن تعكف المنظمات الإسلامية كرابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على إعادة قراءة الملف الشيشاني بتأن، وقد يلاق هذا الطرح انتقاداً ولكن باختصار بالإمكان القول بأنّ الشيشان ليست فلسطين ولا العراق المحتل ولا أفغانستان ولا حتى كشمير، فهل يعقل وانطلاقاً من الواقع السياسي والجغرافي لا التاريخي المناداة باستقلال دولة صغيرة المساحة لا تمتلك المقومات السيادية ولديها حكماً ذاتياً و تمتد حدودها من جهات ثلاث مع روسيا ومن جهة خلفية مع جورجيا، يعيش نصف سكانها في موسكو!! أيهما أفضل أن يصول ويجول الشيشاني في كافة الأرجاء الروسية ناشراً قيمه وفكره الحضاري وسط الشعوب الروسية أم أن يبقى أسيراً للصراع الدولي مرتضياً أن يكون وقود المعركة؟؟ هو فقه الواقع التي تندرج من ضمنه سياسة تحديد الأولويات وتقدير المصالح ودرء المفاسد الذي تجهله العديد من الشعوب الإسلامية مستعيضةً عنه بالحماسية التي تفقدها المسار، ولنا بالتجربة الأردوغانية الوقفات مع العبر، حيث يحاكم الجنرالات في دولة العسكر وحيث رفع الحظر عن الحجاب في طريقه للتنفيذ.
|